الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

413

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بعد أن تحدثنا حول شأن نزول الآيات ، ننتقل إلى تفسيرها : يقول القرآن أولا : عبس وتولى . لماذا ؟ : أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى ، ويطلب الإيمان والتقوى والتزكية . أو يذكر فتنفعه الذكرى ، فإن لم يحصل على التقوى ، فلا أقل من أن يتذكر ويستيقظ من الغفلة ، فتنفعه ذلك ( 1 ) . ويستمر العتاب . . . : أما من استغنى ، من اعتبر نفسه غنيا ولا يحتاج لأحد . فأنت له تصدى ، تتوجه إليه ، وتسعى في هدايته ، في حين أنه مغرور لما أصابه من الثروة والغرور يولد الطغيان والتكبر ، كما أشارت لهذا الآيتان ( 6 و 7 ) من سورة العلق : . . . إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى . ( 2 ) وما عليك ألا تزكى ، أي في حين لو لم يسلك سبيل التقوى والإيمان ، فليس عليك شئ . فوظيفتك البلاغ ، سواء أمن السامع أم لم يؤمن ، وليس لك أن تهمل الأعمى الذي يطلب الحق ، وإن كان هدفك أوسع ليشمل هداية كل أولئك الأغنياء المتحجرين . وتأتي العتاب مرة أخرى تأكيدا : وأما من جاءك يسعى ، في طلب

--> 1 - والفرق بين الآية والتي قبلها ، هو أن الحديث قد جرى حول التزكية والتقوى الكاملة ، في حين أن الحديث في الآية المبحوثة يتناول تأثير التذكر الإجمالي ، وإن لم يصل إلى مقام التقوى الكاملة ، وستكون النتيجة استفادة الأعمى المستهدي من التذكير ، سواء كانت الفائدة تامة أم مختصرة . وقيل : إن الفرق بين الآيتين ، هو أن الأولى تشير إلى التطهير من المعاصي ، والثانية تشير إلى كسب الطاعات وإطاعة أمر الله عز وجل . والأول يبدو أقرب للصحة . 2 - يقول الراغب في مفرداته : ( غنى واستغنى وتغنى وتغانى ) بمعنى واحد ، ويقول في ( تصدى ) : إنها من ( الصدى ) ، أي الصوت الراجع من الجبل .